حبيب الله الهاشمي الخوئي
189
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( فصدع بالحقّ ) امتثالا لما كان مأمورا به بقوله عزّ وجلّ * ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) * وأصل الصّدع عبارة عن كسر الزّجاجة وشقّها وتفريقها ، فاستعير عنه للبيان الواضح والتبليغ الكامل ، والجامع التأثّر . وقد قيل في تفسير الآية : أنّ معناها أبن الأمر إبانة لا تنمحى كما لا يلتئم كسر الزّجاجة ، وقيل : أفرق بين الحقّ والباطل ، وقيل : شقّ جماعاتهم بالتّوحيد أو بالقرآن . ( ونصح للخلق ) بصرفهم عن الرّدى إلى الهدى وردّهم عن الجحيم إلى النعيم ( وهدى إلى الرّشد ) أي إلى الصّواب والسّداد في القول والعمل ( وأمر بالقصد ) أي بالعدل في الأمور المصون عن الافراط والتّفريط ، ويحتمل أن يكون المراد به قصد السبيل الموصل إلى الحقّ أي الصّراط المستقيم ( صلَّى اللَّه عليه وآله ) وسلَّم ثمّ نبّه المخاطبين على عدم كونه تعالى في خلقهم وايجادهم لاغيا عابثا فقال ( واعلموا عباد اللَّه أنّه لم يخلقكم عبثا ) تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، وانما خلقكم للمعرفة والعبوديّة كما قال * ( « وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » ) * . ( ولم يرسلكم هملا ) أي لم يترككم سدى مهملين كالبهائم والأنعام ، وإنّما كلَّفكم بالتكاليف والأحكام ( علم مبلغ نعمه ) ومقدارها كمّا وكيفا ( عليكم وأحصى إحسانه ) وفضله ( إليكم ) ليبلوكم أتشكرونه أم تكفرون ومن شكر فانّما يشكر لنفسه ومن كفر فانّه غنىّ كريم ( فاستفتحوه ) أي اطلبوا منه فتح أبواب النّعم ( واستنجحوه ) أي اطلبوا منه نجاح عوائد المزيد والقسم ( واطلبوا ) منه متضرّعين ( إليه ) أن يصرف عنكم ما لا يصرفه أحد غيره من عذاب النّار وسخط الجبّار . ( واستمنحوه ) أي اطلبوا منه أن يعطيكم ما لا يعطيه أحد غيره من فوز الجنان ورضى الرّحمن ، وطلب ذلك كلَّه منه سبحانه إنما هو بالقيام بمراسم الحمد والشكر وبالمواظبة على وظايف الطَّاعات والقربات الَّتي بها يستعدّ لإفاضة الرّحمة ونزول الخيرات ، هذا .